Flag Counter

Flag Counter

Monday, May 14, 2018

لمحات من تاريخ العرب المشرق

إن الحرب العراقية-الإيرانية  التي إستمرت ٩ سنين وإنتهت بإستنزاف موارد البلدين وإعادة إحياء الصراع السني-الشيعي هي أم الكوارث والمصائب في الوطن العربي . من هجم على من ومن بدأ العدوان, فتلك مسألة من المستحيل أن تخرج من دائرة التخمينات وقد ننتظر ٥٠ عاما حتى تتكرم علينا الإدارة الأمريكية أو البريطانية بالإفراج عن بعض الوثائق بموجب قانون رفع السرية عن المعلومات لنعرف من البادئ بالعدوان. النظام الإيراني لم تكن من مصلحته أن يبدأ أي عمل عسكري ضد جارته القوية حيث كان مشغولا بتصفية فلول النظام السابق(الشاه) وتخوص كتائبه الثورية معارك ضد بقية قوات الجيش الإيراني وأجهزته الأمنية والتي مازالت على ولائها للنظام السابق. النظام العراقي كان مشغولا في صراعه ضد الأكراد ويراقب جارته القوية تركيا التي كانت ومازالت لديها أطماع توسعية منذ أيام الخلافة العثمانية البائدة. إن بعض التقارير تشير إلى أن قوات إيرانية هي من بدأت العدوان وهاجمت مواقع عسكرية عراقية على الحدود بين البلدين وقصفتها بالمدفعية والهاون ولكن تلك التقارير لم تكن محددة في طبيعة القوات الإيرانية التي نفذت تلك الهجمات, هل هي قوات عسكرية نظامية أم من بقايا القوات الموالية للشاه والتي حاولت الإنتقام وتوريط النظام الجديد في حرب مدمرة مع جارته المتفوقة عسكريا عليه؟
ومن ثم لم يكد العراق يستفيق من حربه المدمرة مع إيران حتى غزا جارته الكويت بذريعة ضم الفرع إلى الأصل. وكان غزو العراق للكويت نتيجة لمطالبات سابقة منذ عهد الرئيس العراقي السابق عبد الكريم قاسم ولكن الكويت من المفترض أنها تحت الحماية البريطانية وذالك له خلفية تاريخية: الكويت كانت تدعى (الكوت) وكانت تعد ضمن محافظة البصرة العثمانية والتي كانت إحدى المحافظات العراقية. الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس أصابها القلق بعد تسرب أنباء عن منح الخلافة العثمانية إمتياز مد سكة خط برلين-بغداد وتوسعته ليصل إلى الكويت مما سوف يمنح الحكومة الألمانية منفذا بحريا تهدد به قناة السويس ومن ثم الهند وهي درة التاج الملكي البريطاني. الحكومة البريطانية أوعزت لمبارك الكبير بتوقيع معاهدة حماية مع بريطانيا والإستقلال بالكويت عن الخلافة العثمانية.
ولكن عند هذه المرحلة, غزو العراق للكويت, علينا أن ننظر إلى فصل أخر من فصول الصراع الأمريكي-البريطاني-الفرنسي حيث كان من المفترض أن بعض مناطق العراق والتي كانت غنية بالنفط,خصوصا الموصل, من نصيب الإستعمار الفرنسي ولكن بريطانيا قايضتها مع فرنسا بمنحها سوريا ولبنان مناطق نفوذ لها او كما اطلق عليه في ذالك الوقت, إنتداب. أحد أسباب قلق الحكومة البريطانية من خط سكة حديد برلين-بغداد-الكويت هو أن السلطان عبد الحميد الثاني منح ألمانيا إمتياز التنقيب عن الثروات الطبيعية بعرض عشرين كيلومترا على كل جانب من جانبي الخط. الحكومة الأمريكية ولوبيات الضغط والمصالح وشركات النفط والتي كانت تنتظر الفرصة للإنقضاض على ذالك البلد الذي يعوم على بحور من الثروات النفطية وجدتها فرصة سانحة حين خرج العراق من حربه مع إيران مثقلا بالديون وأسواق النفط مشبعة بإنتاج فائض عن الحاجة فتم دق أسفين الخلاف بين البلدين وتحميل العراق للكويت المسؤولية عن إنخفاض أسعار النفط  وزارت السفيرة الأمريكية في العراق أبريل غلاسي صدام حسين وأبلغته بان الولايات المتحدة ليس لها رأي بشأن صراع عربي-عربي. وبعد ذالك اللقاء بفترة قصيرة, قام العراق بغزو الكويت وكان الجو السياسي السائد من لم يكن معنا فهو علينا وتم توجيه الإتهامات بالخيانة لأي دولة عربية نادت بحل عربي للأزمة وخصوصا منظمة التحرير الفلسطينية التي تم توجيه الإتهام لها بالوقوف إلى جانب النظام العراقي وهي تهمة باطلة, جبهة التحرير الفلسطينية بقيادة أبو العباس والتي كانت تتخذ من العراق مقرا لها هي من ساندت النظام العراقي وأرسلت مقاتليها إلى الكويت وهي فصيل فلسطيني صغير وبينهم وبين حركة فتح وفصائلها خلافات عميقة ودورهم داخل منظمة التحرير كان دورا شبه معدوم.
الغزو العراقي للكويت كانت بداية النهاية لتصفية القضية الفلسطينية حيث حشرت منظمة التحرير الفلسطينية في زاوية صعبة من الناحية المالية والسياسية وتم دفعها دفعا للمساومات التي أوصلتها لتوقيع إتفاقية أوسلو سيئة الصيت. ولكن لا بد لامريكا من إكمال مخططها بخصوص العراق وعدم ترك أمور معلقة وغير منتهية(Loose Ends) في المنطقة فكان غزو العراق سنة ٢٠٠٣ بذريعة إمتلاكه أسلحة الدمار الشامل بعد إنهاكه سنين طويلة بعقوبات جائرة, والحقيقة أن أسلحة الدمار الشامل الوحيدة التي بحوزة العراق تلك التي زودته بها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا ودول أوروبية أخرى. الولايات المتحدة وحلفائها حتى سنة ٢٠٠٣ قتلوا نصف مليون طفل عراقي على الأقل. وأنا هنا لا أتحدث عن البالغين او النساء أو كبار السن, أنا أتحدث عن وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة مادلين أولبرايت التي إعتبرت أنه من المقبول أخلاقيا قتل كل ذالك العدد من أطفال العراق مقابل إسقاط نظام الرئيس العراقي. وأسقط نظام الرئيس صدام حسين ونهبت ثروات العراق من السبائك الذهبية والأثار والتحف والتي لا تقدر بثمن وقام بول بريمر وهو لص تم تعيينه برتبة حاكم للعراق بحل الجيش العراقي والأجهزة الأمنية وكانت تلك هي البذرة التي أدت إلى ظهور تنظيم داعش, وهي خطوة محسوبة قام بها بريمر وهو يعلم علم اليقين نتائجها. ففي شمال العراق, مناطق الأكراد, كانت بداية ظهور تنظيم داعش بإسم قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين بقيادة أبو مصعب الزرقاوي والذي تظور لاحقا ليظهر بإسم تنظيم داعش او كما أطلق عليه في مرحلة لاحقة, تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام ثم الدولة الإسلامية.
برنارد هنري ليفي وهو فيلسوف فرنسي صهيوني وكان مرشحا سابقا لرئاسة دولة الكيان الصهيوني الغاصب لعب دورا رئيسيا في تأسيس تنظيم أبو مصعب الزرقاوي حيث رصدت الأجهزة الأمنية العراقية في عهد النظام السابق نشاطاته في المنطقة الكردية وقامت بجهودها للحد منها مما إضطره لمغادرة العراق في إنتظار فرصة سانحة أخرى وهي في الحقيقة لم تتأخر كثيرا. ذالك الصهيوني والذي ركب على دبابة لقوات الدفاع الصهيونية وهي تدخل مخيم جنين المدمر عقب المقاومة البطولية سنة ٢٠٠٢ أعلن ان جيش الدفاع الصهيوني هو الجيش الأكثر إنسانية في العالم. وهو عراب الخراب يظهر في كل بلد يعاني من الحروب الأهلية والتقسيم خصوصا في يوغسلافيا السابقة والبوسنة والهرسك والعراق وخلال أحداث الربيع العربي في ليبيا ومصر. بل وهو الذي ينسب لنفسه الفضل في إقناع الرئيس الفرنسي ساركوزي بضرب ليبيا عسكريا وإسقاط نظام الرئيس معمر القذافي تحت ذريعة قرار تم إستصداره من مجلس الأمن الدولي بفرض منطقة حظر جوي وحماية المدنيين. مدينة سرت تم هدمها على رؤوس سكانها المدنيين لا لسبب سوى أنها مسقط رأس الرئيس الليبي معمر القذافي حيث قتل تحت الردم ٣٠ ألفا من سكانها بتلك الصواريخ التي يطلقون عليها ذكية.
وهناك حاليا الساحة السورية والتي تعد الأسخن في المنطقة وتهدد بتفجير الصراع وجر المنطقة إلى حرب شاملة. السيناريو السوري لمن يتابع أحداثه يجد تطابقا مع السيناريو العراقي خصوصا موضوع أسلحة الدمار الشامل وإستخدام السلاح الكيميائي والحرب الإعلامية والنفسية والتستر وراء حقوق الإنسان للتدخل في الشان السوري ومحاولة فرض أجندات إقتصادية وسياسية على سوريا لا يمكن في الأحوال المعتادة حتى مجرد التفكير بطرحها.
مع تمنياتي للجميع بدوام الصحة والعافية

النهاية

No comments:

Post a Comment